الجهة 24

لم تعد مدرجات كرة القدم المغربية مجرد مساحات للتشجيع الرياضي، بل تحولت إلى ساحات مفتوحة لاستدعاء التاريخ وشخصياته المثيرة للجدل. مؤخراً، برز اسم “التهامي الكلاوي”، باشا مراكش الأسبق، في أهازيج فصيل “ألتراس الشارك” المساند لفريق أولمبيك آسفي، ضمن سياق التنافس الجماهيري و”الكلاش” ضمن “صراعات الإلتراس” الموجه ضد غريمه التقليدي فصيل “كريزي بويز” المساند للكوكب المراكشي. هذا الاستحضار لم يأتِ من فراغ، بل يستند إلى دلالات تاريخية عميقة جعلت من الكلاوي في الذاكرة الشعبية رمزاً للتحالف مع الاستعمار والإقطاعية، بل وكان الكلاوي، يُعتبر من أغنياء العالم في حينه نتيجة سطوته الواسعة.

سيكولوجية المدرجات: “عصبية قبلية” وأسلحة رمزية

ولفهم الدوافع العميقة التي تجعل جماهير كرة القدم تستدعي شخصية تاريخية من خمسينيات القرن الماضي، يجب الغوص في “سيكولوجية الألتراس”. فوفقاً للتحليل السوسيولوجي، يختلف أفراد الألتراس جذرياً عن المشجع التقليدي العقلاني الباحث عن الهدوء (والذي يُشبه في علم الاجتماع بـ”أبولون” الممثل للعقل والنظام)؛ إذ تحكم الألتراس نزعة مفعمة بالحيوية، والتمرد، والطاقة الشبابية الفائضة لإثبات الذات وتصريف القوة. وتتأسس هذه المجموعات على ولاء وانتماء مطلقين للفريق، في ارتباط عضوي يتخذ شكل “عصبية قبلية” حديثة.

وفي خضم هذه الهوية الجماعية، يبرز صراع رمزي محتدم. حيث يؤكد الباحث السوسيولوجي عبد الرحيم بورقية أن الانتماء للألتراس يخلق تقابلاً ثنائياً حاداً بين “نحن” و”هم”، مما يُشعل شرارة التنافس والعداوة مع الخصوم.

وضمن هذه الحرب النفسية، تستخدم فصائل الألتراس أسلحة رمزية لفرض تفوقها؛ فكما تختار لنفسها أسماء تدل على القوة والافتراس (مثل “الشارك” أو القرش، الكريزي بويز)، فإنها تُوظف الأهازيج كإنتاج جماعي استراتيجي لضرب هوية الخصم. لذا، فإن استحضار “الكلاوي” ووصمه بالخيانة لا ينطلق من رغبة في التوثيق التاريخي، بل يُستخدم كـ”سلاح رمزي” مصمم بدقة لاستفزاز انتماء الجماهير المراكشية، ومحاولة إثبات التفوق المعنوي في معركة المدرجات، كما أن جماهير الكوكب المراكشي كانت سبقت جماهير آسفي، بعدما وجّهت اليهم أهازيج مليئة ب”الكلاشات”.

من هو الكلاوي الذي استحضرته “إلالتراس الشارك”؟

وُلد التهامي الكلاوي عام 1878، وانحدر من قبيلة “كلاوة” الأمازيغية المتمركزة في أعالي جبال الأطلس الكبير. ورث القوة والنفوذ عن عائلته التي تحكمت لعقود في الممرات الجبلية الحيوية الرابطة بين شمال المغرب وجنوبه. بدأ مساره السياسي والعسكري كخادم للسلطة المركزية (المخزن)، حيث ساعد السلاطين المغاربة في إخماد تمرد بعض القبائل، مما جعله الزعيم الفعلي لأسرته وقبيلته، خاصة بعد وفاة أخيه الأكبر “المدني الكلاوي”.

شكل توقيع معاهدة الحماية الفرنسية عام 1912 نقطة تحول مفصلية في مسار الكلاوي. فقد رأى في الفرنسيين حليفاً استراتيجياً يضمن له البقاء في السلطة وتوسيع رقعة نفوذه. في المقابل، اعتبرت الإدارة الاستعمارية الفرنسية الكلاوي ركيزة أساسية لتثبيت أقدامها، والسيطرة على المناطق الجبلية الوعرة والقبائل المتمردة.

بموجب هذا التحالف الوثيق، عُين التهامي الكلاوي باشا على مدينة مراكش، ليحولها لعقود إلى مركز لقوته المطلقة. استغل هذا النفوذ المزدوج لبناء ثروة هائلة جعلته من أغنى أغنياء العالم آنذاك؛ حيث سيطر على مساحات شاسعة من الأراضي الفلاحية، واحتكر العديد من المناجم، وفرض ضرائب على القبائل الخاضعة لسيطرته. مكّنه هذا الثراء من عيش حياة باذخة أسطورية في قصوره، مثل “دار الباشا” بمراكش و”قصبة تلوات”، والتي تحولت إلى مزار لشخصيات عالمية بارزة كزعيم بريطانيا “وينستون تشرشل” ونجم هوليوود “شارلي شابلن”.

القطيعة مع الحركة الوطنية

لفهم سبب وصم الكلاوي بـ”الخيانة” في الأهازيج الجماهيرية اليوم، يجب العودة إلى موقفه السياسي من مسألة استقلال المغرب. فقد واجه الكلاوي الحركة الوطنية وحزب الاستقلال بشراسة، معتبراً إياهم تهديداً مباشراً لنظامه الإقطاعي ومصالحه الشخصية المترابطة عضوياً مع استمرار الوجود الفرنسي.

وصل هذا الصراع إلى ذروته عام 1953، وهي المحطة الأبرز التي رسخت صورته السلبية في الذاكرة الشعبية. فقد لعب الكلاوي دوراً محورياً، بتنسيق مع سلطات الحماية، في المؤامرة التي أدت إلى خلع السلطان محمد بن يوسف (محمد الخامس) ونفيه إلى مدغشقر، والمساهمة في تنصيب “محمد بن عرفة” مكانه. هذا الموقف شكّل قطيعة نهائية بينه وبين الوجدان الوطني المغاربي.

السقوط ونهاية الأسطورة

لم يدم طموح الكلاوي طويلاً. فمع تصاعد المقاومة الشعبية واقتراب استقلال المغرب عام 1955، وفشل مخطط الإبقاء على السلطان الصوري، أدرك “باشا مراكش” أن موازين القوى السياسية قد تغيرت بصفة نهائية. اضطر للسفر إلى فرنسا لتقديم ولائه للسلطان محمد الخامس، طالباً الصفح منه في مشهد تاريخي وُصف بالانكسار.

توفي التهامي الكلاوي في يناير 1956، تزامناً مع بزوغ فجر استقلال البلاد. وإثر وفاته، قامت الدولة المغربية بتفكيك إمبراطوريته، ومصادرة أملاكه الشاسعة وإعادتها لخزينة الدولة، لتطوى بذلك صفحة أحد أكثر رجالات المغرب الحديث إثارة للجدل.

في الوقت الذي نظر فيه بعض المؤرخين الغربيين إلى الكلاوي كـ”آخر الإقطاعيين العظام”، فإن السردية الوطنية تعتبره رمزاً لدعم المستعمر ومعاداة مسار التحرر. هذه الرمزية التاريخية المثقلة بالدلالات السلبية هي بالضبط ما التقطته ألتراس “الشارك” الآسفية. ففي عُرف المدرجات الذي يعتمد على الحرب النفسية واستفزاز الخصوم، تحولت صفحات التاريخ إلى أداة “كلاش” معنوية مشروعة ضد الجماهير المراكشية، مما يؤكد أن التاريخ بشخصياته وتقلباته لا يزال حياً، وقابلاً لإعادة التوظيف والتأويل في صراعات الأجيال الشابة.