الجهة 24- هيئة التحرير

يأتي هذا المقال التعقيبي امتدادًا للمقال الصحافي حول ما تعيشه ثانوية الحسن الثاني التأهيلية من احتقان تربوي غير مسبوق، على خلفية شكايات متطابقة لآباء وأولياء تلاميذ تتعلق بسلوك أستاذ لمادة الرياضيات وملحقا بأقسام بمؤسسة ابن الخطيب التابعة لنفس المؤسسة، وما رافق ذلك من اتهامات بتهديد التلاميذ بالرسوب وتوزيع أصفار في ظروف وُصفت بغير التربوية. وهو المقال الذي استند إلى مراسلة رسمية موجهة إلى الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة مراكش آسفي وتضمن شهادات ومعطيات مفصلة حول الوقائع داخل الفصل الدراسي. غير أن صدور بيان تضامني عن التضامن الجامعي المغربي – المكتب الإقليمي بآسفي، تضمّن نفيًا قاطعًا لما ورد في المقال مع الدعوة في الآن نفسه إلى إيفاد لجنة لتقصي الحقائق، أعاد النقاش إلى الواجهة وطرح تساؤلات جوهرية حول منطق هذا الموقف وتداعياته على حقيقة ما يجري داخل المؤسسة

وفي بلاغ التضامن الجامعي المغربي – المكتب الإقليمي بآسفي، الذي اطلع موقع “الجهة 24” على نسخة منه، وينشره كاملا في ختام هذا الرد التعقيبي، اختار الإطار التضامني أن يضع نفسه في قلب الجدل الدائر حول أستاذ مادة الرياضيات بالثانوية التأهيلية الحسن الثاني بآسفي، بعد المقال الصحافي الذي أثار نقاشًا واسعًا حول ممارساته التربوية.

البلاغ، في بنيته العامة، يُعلن تضامنًا “مطلقًا ولا مشروطًا” مع الأستاذ المعني، ويجزم منذ فقراته الأولى بأن ما ورد في المقال “لا أساس له من الصحة”، قبل أن يعود في الفقرة نفسها تقريبًا ليطالب بإيفاد لجنة لتقصي الحقائق وفتح تحقيق نزيه لترتيب المسؤوليات.

هذا التناقض الصارخ بين اليقين بالنفي والدعوة إلى التقصي لا يمكن المرور عليه مرور الكرام؛ لأنه يكشف ارتباكًا في الموقف أكثر مما يكشف قوة في الحجة. فمن يملك يقينًا كاملًا ببراءة من يدافع عنه، لا يطالب بلجنة تقصٍّ، ومن يطالب بلجنة تقصٍّ، يُقر ضمنيًا بأن الوقائع تستحق الفحص، لا النفي القطعي.

إن موقع “التضامن الجامعي” الطبيعي هو الدفاع عن كرامة المدرسين وسمعتهم، وهذا دور محمود ومشروع، بل وضروري في سياق يعرف أحيانًا حملات تشهير غير مسؤولة تطال الأطر التربوية. لكن هذا الدور النبيل يفقد معناه عندما يتحول إلى مظلة تحتمي بها ممارسات لا تمت للتربية بصلة، أو حين يُستعمل كدرعٍ يحول دون مساءلة سلوكات تُسيء إلى المدرسة العمومية أكثر مما تسيء إلى الأفراد.

فالمدرسة العمومية اليوم لا تُهدم فقط بنقص الوسائل، ولا بضعف المناهج، بل تُهدم أيضًا حين يتحول بعض المدرسين إلى مصدر توتر وخوف واحتقان داخل الفصول الدراسية، بأساليب طفولية في التعامل مع التلاميذ، وبممارسات تربوية تفتقد إلى أبسط قواعد البيداغوجيا الحديثة.

ومن هنا، فإن الدفاع الحقيقي عن المدرس لا يكون بلغة البيانات الانفعالية، ولا بلغة النفي القطعي قبل التحقيق، بل يكون بالمطالبة الجدية من الجهات الوصية بإقرار تكوينات بيداغوجية إلزامية للأساتذة الجدد، وأيضًا لكل من ثبت في حقه تجاوز تربوي داخل المؤسسات التعليمية. ذلك هو جوهر حماية صورة الأستاذ، وجوهر حماية المدرسة العمومية في آن واحد.

إن آلاف المدرسات والمدرسين النزهاء، الذين يناضلون يوميًا في صمت من أجل تلامذتهم، ويجتهدون لتطوير أساليبهم، ويعتبرون القسم رسالة لا وظيفة، هم أول من يتضرر من مثل هذه المواقف التي تُسقط عنهم هالة الاحترام الجماعي حين يُخلط الحابل بالنابل، ويُساوى بين المربي الحقيقي ومن يُسيء للمهنة.

كما أن مضامين البلاغ، بصيغته الحادة تجاه المادة الصحافية، تُفهم باعتبارها هجومًا على العمل الصحافي المهني الذي تكفله المقتضيات الدستورية والقوانين المنظمة للمهنة، وتكشف في الآن ذاته سوء فهمٍ عميقٍ لأخلاقيات الصحافة ودورها في الرقابة المجتمعية. وهو ما يثير الاستغراب من جهة يُفترض فيها، بحكم رسالتها التربوية، ترسيخ ثقافة الحوار واحترام دور الإعلام في بناء مجتمع قوي ومتوازن وديمقراطي.

وفي هذا السياق، نؤكد أن هذا الملف لم يُغلق بعد، وأن معطيات جديدة وغير مسبوقة في طريقها إلى النشر، مدعومة بوثائق وأدلة، تتعلق بكيفية الاحتماء ببعض الوجوه النقابية التي يُفترض فيها الدفاع عن الأخلاقيات، لا التستر على التجاوزات. وهي معطيات من شأنها، عند نشرها، أن تضع وزارة التربية الوطنية والجهات القضائية أمام مسؤوليات واضحة لا تقبل التأجيل.

إن المدرسة العمومية ليست مجالًا لتصفية الحسابات، ولا ساحة لتبادل البلاغات، بل فضاء لتربية الأجيال. وكل دفاع لا ينطلق من هذه الحقيقة، ينتهي – بقصد أو بغير قصد – إلى الإضرار بالمهنة التي يدّعي حمايتها.

ومن جهة اخرى علم موقع “الجهة24” أنّ المدير الإقليمي للتعليم بمديرية اسفي، بادر إلى فتح تحقيق معمق حول سلوكيات الأستاذ المذكور، وهي المعطيات التي سيفصل فيها موقعنا الإخباري، في المقالات القادمة، معززة بالأدلة الكافية، وذلك، انطلاقا، من دور الصحافة في بناء مجتمع ديمقراطي قوي ومتماسك.