الجهة 24في قراءة نقدية لمسار إصلاح العدالة، اعتبر أحمد البوز، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس – السويسي بالرباط، أن الدستور يظل الإطار الذي يحدد موقع القضاء داخل معادلة توازن السلط. فالدستور، بحسب تصوره، لا يكتفي بإقرار القضاء كسلطة مستقلة، بل يرسم حدود علاقته ببقية السلط، ويضع الضمانات التي يفترض أن تحمي القضاة من الضغوط والتدخلات، بما يضمن استمرارية الإصلاح القضائي ويحصنه من تقلبات السياسة ومن تأثير المرجعيات الأيديولوجية للفاعلين.وخلال ندوة نظمتها فدرالية اليسار مساء الخميس بنادي المحامين بالرباط حول موضوع «إصلاح العدالة وسؤال الديمقراطية»، طرح البوز سؤالاً لافتاً: لماذا لا يزال النقاش حول الإصلاح القضائي يعود دائماً إلى الدستور، رغم ما حمله دستور 2011 من مستجدات في هذا المجال؟ويرى أن هذا السؤال يجد مبرره في أربعة عناصر أساسية، أولها الفجوة القائمة بين الدسترة والتفعيل، أي انتقال الإشكال من مستوى النصوص إلى مستوى الممارسة الفعلية.وفي هذا السياق، أشار إلى أن الاجتهاد القضائي ما يزال، في بعض جوانبه، أسير اجتهادات قديمة أثارت جدلاً واسعاً منذ عقود، مستحضراً قضية مزرعة عبد العزيز سنة 1970، حين رفضت المحكمة إلغاء مرسوم ملكي يتعلق بضم أراضٍ فلاحية، معتبرة أن الملك يمارس سلطاته بصفته أمير المؤمنين، وبالتالي لا يمكن النظر إلى قراراته باعتبارها أعمالاً إدارية قابلة للطعن. وبيّن أن هذا التوجه يعكس إشكالاً بنيوياً، إذ لم يمنح الدستور لأي جهة صلاحية مراقبة هذا النوع من القرارات، كما أن الظهائر الملكية تظل محصنة من الطعن بسبب الشطط في استعمال السلطة، ليس بسبب طبيعة مضمونها، بل بسبب الجهة التي تصدرها. وبالعودة إلى الفجوة بين النص والممارسة، أوضح البوز أن اختلالات عدة ما تزال قائمة داخل منظومة العدالة، من بينها بطء المساطر وتعقيدها، والصعوبات المرتبطة بتنفيذ الأحكام، فضلاً عن محدودية الأثر العملي لبعض الإصلاحات المؤسساتية، وعلى رأسها إحداث المجلس الأعلى للسلطة القضائية.أما الإشكال الثاني، فيرتبط – وفق تحليله – بسياق توازن السلط الذي جاء به دستور 2011. فالدستور، وإن كان يقر مبدأ فصل السلط كأساس للنظام الدستوري والسياسي، فإنه لم يحسم بشكل نهائي في هذه المسألة، بل ترك قدراً من الالتباس في تحديد حدود هذا الفصل.ويضرب مثالاً على ذلك بكون الدستور ينص على أن الحكومة تمارس السلطة التنفيذية، في حين أن رئاسة المجلس الوزاري – التي تضطلع عملياً بدور مركزي في ممارسة هذه السلطة – ليست بيد الحكومة. ويرى أن هذا الوضع أعاد إلى الواجهة مقولة متداولة في الأوساط الأكاديمية سبق أن عبّر عنها الملك الحسن الثاني، ومفادها أن فصل السلط لا يمكن تصوره على مستوى الملك، وهي مقولة يعتبر البوز أنها ما تزال تؤطر البناء الدستوري في المغرب، سواء في الدساتير السابقة أو في الدستور الحالي.كما توقف عند استمرار بعض أشكال التداخل والتأثير غير المباشر بين السلط، إلى جانب تعدد الفاعلين المتدخلين في تدبير قطاع العدالة، وهو ما يضيف تعقيداً إضافياً إلى هندسته المؤسساتية.أما التحدي الثالث، فيراه البوز ذا طبيعة سياسية بالدرجة الأولى، مؤكداً أن الحديث عن عدالة مستقلة يظل محدود المعنى في غياب مناخ سياسي ديمقراطي. فاستقلال القضاء، في نظره، يرتبط عضوياً بوجود حياة سياسية ديمقراطية حقيقية.وفي هذا الإطار، شدد على أن استقلال العدالة يتقاطع مع عناصر أخرى أساسية، من بينها حرية الصحافة، واستقلالية الأحزاب السياسية، وفعالية المؤسسة البرلمانية، معتبراً أن هذه المكونات تشكل البيئة الضرورية لقيام قضاء مستقل وقادر على أداء وظيفته.أما الإشكال الرابع، فيتعلق – بحسب البوز – بالبُعد الثقافي. فإصلاح العدالة لا يختزل في سن القوانين أو إحداث المؤسسات أو تعديل المساطر، بل يتطلب أيضاً ترسيخ ثقافة قضائية جديدة تقوم على الجرأة في الاجتهاد، وعلى حماية الحقوق والحريات، وعلى تكريس مبدأ المساواة أمام القانون.ويخلص الأستاذ الجامعي إلى أن جعل الدستور أداة فعلية لخدمة إصلاح العدالة في المستقبل يقتضي أولاً تعزيز وضوح وفعالية الهندسة الدستورية المتعلقة بالسلطة القضائية، عبر تقوية مبدأ فصل السلط وتقليص مجالات التداخل بينها.وفي هذا السياق، يطرح سؤالاً محورياً: هل القضاء مستقل عن السلطة التنفيذية ككل، أم عن الحكومة فقط؟ففي تقديره، يكمن جوهر الإشكال في الفرق بين السلطة التنفيذية بمعناها الفعلي وبين الحكومة باعتبارها أحد مكوناتها.كما يدعو إلى تدقيق توزيع الاختصاصات داخل المنظومة القضائية، في ظل غياب تحديد واضح للحدود بين وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، إلى جانب ضرورة توضيح الإطار المؤسساتي للسياسة الجنائية، وتحديد الجهة التي تضعها، وكيف يمكن إخضاعها للمساءلة الديمقراطية إذا كانت النيابة العامة هي من سيتولى تنفيذها. تصفّح المقالاتالتهامي الكلاوي.. من صفحات التاريخ إلى مدرجات الملاعب.. لماذا استحضرت جماهير آسفي “باشا مراكش”؟ العثور على رضيع متخلى عنه داخل ضريح بدار سي عيسى بآسفي