الجهة 24- آسفي

في خضم الجدل الذي أعقب ما نُشر بخصوص السلوكات العدوانية المنسوبة لأستاذ مادة الرياضيات بالثانوية التأهيلية الحسن الثاني بمديرية آسفي، خرجت بعض التنظيمات النقابية ببيان مشترك اختار منطق الدفاع العاطفي، متجنبًا الخوض في جوهر الوقائع والمعطيات المثارة.

البيان ركّز على خطاب “الدفاع عن كرامة الأستاذ”، لكنه لم يقترب من المعطيات التي وُضعت أمام الرأي العام، والتي تستند – إلى شهادات متطابقة، ووثائق، ومعاينات ميدانية، من بينها تسجيلات صوتية توثق لتعنيف لفظي في حق تلاميذ، تضمن عبارات سب وقذف طالتهم وطالت أسرهم. وهي معطيات تضع التنظيمات الموقعة على البيان أمام سؤال واضح: ما الموقف من هذه التسجيلات؟ وهل تم الاطلاع عليها أصلًا قبل إصدار البيان؟

المعطيات التي أثيرت في هذا الملف لا تقف عند حدود السلوك داخل الفصل، بل تمتد – حسب ما توصلت به الجهة 24 من شكايات ومعطيات – إلى ما يوصف بنمط متكرر يرتبط بملف الساعات الخصوصية المؤدى عنها، حيث يُشتبه في استغلال الموقع داخل الفصل للضغط المباشر أو غير المباشر على التلاميذ، بما يضرب مبدأ تكافؤ الفرص ويمس بصورة المدرسة العمومية.

كما تشير المعطيات ذاتها إلى ارتباط بعض الوجوه النقابية بأنشطة موازية في مراكز تقدم ساعات إضافية مؤدى عنها، سواء بشكل مباشر أو عبر أقارب، وهو ما يطرح تساؤلات حول تضارب المصالح ومصداقية الخطاب الأخلاقي المعلن. وفي السياق نفسه، تتحدث الشكايات المتوصل بها عن عضوية بعض هؤلاء في جمعيات تنشط في مجال التعليم الأولي، مع تسجيل ملاحظات حول طرق التدبير وعلاقة ذلك بالدعم العمومي المخصص لهذا القطاع، بما يثير شبهة التنافي بالنسبة لمن يجمع بين صفة الموظف العمومي وتدبير أو الاستفادة من دعم عمومي عبر قنوات جمعوية.

أمام هذه الوقائع، يبدو أن أي بيان لا يتطرق لهذه الأسئلة يظل قاصرًا عن معالجة جوهر الإشكال. فالقضية لم تعد مرتبطة بخلاف عابر، بل بمعطيات تستدعي التحقق والتدقيق المؤسساتي.

في هذا السياق، يجب طرح ضرورة فتح تحقيق إداري وقضائي في المعطيات المنشورة وترتيب المسؤوليات وفق ما ستسفر عنه التحقيقات، وإخضاع الجمعيات المعنية لافتحاص مالي يشمل مصادر التمويل وطرق صرف الدعم، والتدقيق في وضعيات التنافي المحتملة بين الوظيفة العمومية والاستفادة من دعم عمومي عبر العمل الجمعوي في حدود ما يسمح به القانون.

الرهان، وفق هذا الطرح، لا يتعلق بحالة معزولة، بل بضرورة تفكيك شبكة من المصالح المتداخلة التي قد تختبئ خلف واجهة العمل النقابي أو الجمعوي، بما يسيء إلى صورة نساء ورجال التعليم وإلى الثقة في المدرسة العمومية.

دور الصحافة في مثل هذه الملفات لا يتمثل في إرضاء الأطراف أو مجاراة خطابات التضامن، بل في عرض المعطيات أمام الرأي العام ودفع المؤسسات المختصة إلى التحقق منها، لأن القضية في جوهرها تتعلق بحقوق التلاميذ وبمصداقية الفضاء التربوي، وهي اعتبارات لا يمكن أن تُختزل في بيان إنشائي يتجنب الأسئلة الصعبة.

وفي انتظار ما ستكشفه التحقيقات الرسمية، يبقى السؤال قائماً حول ما إذا كان التعاطي مع هذه المعطيات سيتم بروح المساءلة والتحقق، أم سيستمر بمنطق التضامن غير المشروط الذي يحجب الوقائع بدل أن يضيئها.