في لحظة سياسية يصفها صاحبها بأنها مفصلية في التاريخ الوطني، خرج حكيم بن شماش، الأمين العام الأسبق لحزب الأصالة والمعاصرة والرئيس السابق لمجلس المستشارين، بوثيقة سياسية حملت عنوان “بيان مغرب السرعة الواحدة”، دعا فيها إلى ما سماه “الجراحة السيادية” لإنقاذ التعددية الحزبية من “رهينة العبث”، وإعادة توجيه البوصلة نحو “ديمقراطية النتائج” بدل “ديمقراطية الأشكال”.البيان، الذي الذي نشره القيادي السابق في البام والذي قاد معارك تنظيمية داخل الحزب، يضع تشخيصا حادا لوضع سياسي يعتبره صاحبه مأزوما، ويقترح تدخلا سياديا لتصحيح ما يراه أعطابا بنيوية في الوساطة الحزبية، في سياق ما وصفه بقرب بزوغ “منعطف تاريخي” في ملف الصحراء المغربية.ينطلق بن شماش من فرضية أن المغرب لا يعيش مجرد مرحلة سياسية عادية، بل يقف على أعتاب تحول وجودي يعيد تعريف وظيفة الدولة وهويتها الإنجازية. ويستحضر في هذا السياق المسار الذي راكمته المملكة، خصوصا في عهد محمد السادس، من تحديث مؤسساتي وبنيات تحتية كبرى وأوراش اجتماعية، معتبرا أن هذه الدينامية مهدت لانتقال من “دولة تدبر التوازن” إلى “دولة المهمة”.ويشير البيان إلى أن مؤشرات الحسم في قضية الصحراء المغربية، عبر تكريس الحكم الذاتي كقاعدة للحل، قد تفتح أفق “زمن الإقلاع الكبير”، ما يستوجب – بحسب صاحبه – صيانة المكتسبات وتسريع وتيرة الإنجاز.غير أن هذا الأفق، في نظره، يصطدم بواقع مزدوج: مغرب يحقق “سرعات كبرى” في المشاريع الاستراتيجية، مقابل مغرب ثانٍ يرزح تحت “جحيم الانتظار” وامتهان الكرامة داخل الإدارات والمرافق العمومية. أحد أبرز مفاصل البيان يتمثل في تشخيص ما يسميه “المغرب بسرعتين”، حيث يقابل بين نجاحات الدولة في قطاعات استراتيجية – من الطاقات المتجددة إلى تدبير الكوارث وتنظيم التظاهرات الكبرى – وبين معاناة يومية يعيشها مواطنون في الهامش المجالي والاجتماعي.يصف بن شماش هذا الواقع بأنه “انفصام في الإيقاع الوطني”، محمّلا جزءا كبيرا من المسؤولية لما يعتبره تحولا في وظيفة الأحزاب من جسور للتأطير والتمكين إلى “وكالات انتخابية” تفتقر إلى مشروع مجتمعي واضح، وتنخرط – وفق تعبيره – في هرولة انتخابية قائمة على منطق “الغنيمة”.نقد الوساطة الحزبية و”زواج المال بالسلطة”البيان يتوقف مطولا عند ما يسميه أزمة الوساطة السياسية، معتبرا أن المشهد الحزبي يعيش “أزمة وجودية في المعنى”، وأن بعض الأحزاب تحولت من مختبرات للأفكار إلى أدوات لاقتناص الفرص، في سياق ما يصفه بـ”زواج المال بالسلطة”.ويؤكد أن الإشكال لا يرتبط بقواعد المشروعية الدستورية في حد ذاتها، بل بتحويلها – حسب رأيه – إلى أداة للاغتناء غير المشروع وتضارب المصالح، ما أفرغ السياسة من محتواها الأخلاقي وأضعف ثقة المواطنين في الفعل الحزبي.وفي هذا السياق، يحذر من تنامي حركات احتجاجية عفوية، خصوصا لدى فئات شابة مثل “جيل Z”، باعتبارها مؤشرا على اتساع الهوة بين المؤسسات التمثيلية والتعبيرات الاجتماعية الجديدة.“الجراح السيادي”.. دعوة إلى تدخل في إطار الدستورفي قلب الوثيقة، يطرح بن شماش فكرة “الجرّاح السيادي”، داعيا إلى تدخل يستند إلى روح الدستور لا إلى تقويضه. ويؤكد أن المقصود ليس إلغاء التعددية أو العودة إلى السلطوية، بل “تخليص التعددية من رهينة العبث” وتفعيل ما يسميه “شرعية الإنجاز”.ويستحضر في هذا الإطار موقع الملكية في الدستور باعتبارها حكما أسمى وضامنا لدوام الدولة، معتبرا أن اللحظة التاريخية الراهنة تبرر استثمار الهوامش الدستورية لتصحيح أعطاب المشهد السياسي، إذا ما عجزت “الشرعية الإجرائية” المنبثقة من صناديق الاقتراع عن إنتاج “شرعية النتائج” التي يلمسها المواطن في كرامته.ويشدد على أن التدخل السيادي المنشود يجب أن يفهم كفعل إنقاذي للسياسة ذاتها، لا كنكوص ديمقراطي، وأن غايته هي استعادة النجاعة وجعل “المعقول” – كما ورد في خطاب عيد العرش لسنة 2018 – مبدأ حاكما في تدبير الشأن العام.في خلاصته، يقترح البيان تحويل مشروع “مغرب السرعة الواحدة” إلى عقد اجتماعي جديد، قوامه تسريع الإيقاع الوطني ليشمل جميع الفئات والمجالات، من المدرسة والمستشفى إلى المشاريع الاستراتيجية الكبرى.ويحدد لهذا الأفق معايير واضحة: استقلال طاقي، أمن مائي، قوة صناعية، عدالة اجتماعية ومجالية وقضائية، ونظام تعليمي يحرر العقول. فـ”المغرب الصاعد”، وفق صياغته، ليس مجرد أرقام نمو، بل “نمو في الكرامة” وسيادة في الإيقاع.الرسالة المركزية التي يحملها المانيفيستو واضحة: المنعطف التاريخي المرتقب، خصوصا في ملف الصحراء، لن ينتظر إيقاع الأحزاب ولا حسابات الانتخابات. فإما أن تلتحق الوسائط بسرعة الدولة، أو يُعاد النظر في أدوارها داخل معادلة وطنية تضع النجاعة فوق كل اعتبار.وبين “ديمقراطية الأشكال” و”ديمقراطية النتائج”، يختار بن شماش الاصطفاف إلى جانب الثانية، داعيا إلى نقاش عمومي جريء حول معنى الوساطة السياسية في لحظة يعتبرها أقرب إلى “قطار سريع” لا يملك ترف التوقف في محطات المزايدات الصغيرة. تصفّح المقالاتمقتل ستة جنود أميركيين منذ بدء الحرب على إيران تعزية في وفاة الزميل الصحافي عزيز باطراح مدير نشر صحيفة “المراكشي”