الجهة 24

تتجه سوق الإسمنت في المغرب نحو مزيد من التمركز، في وقت بدأت فيه ملامح هيمنة جهوية تتشكل بوضوح داخل بعض المناطق، وعلى رأسها جهة مراكش – آسفي، حيث تمكنت شركة “Ciments du Maroc” من تعزيز حضورها الصناعي والتجاري بشكل جعلها فاعلاً شبه مهيمن على تزويد أوراش البناء. واقع يطرح، وفق مؤشرات مجلس المنافسة، تساؤلات متزايدة حول مستقبل التوازن التنافسي في قطاع يرتبط مباشرة بدينامية العمران والاستثمار.

ويكشف تحليل بنية السوق أن التوسع الاستراتيجي للشركات الكبرى لم يعد محكوماً فقط بمنطق الإنتاج، بل أصبح موجهاً أيضاً بالتحكم في القرب الجغرافي من مناطق الاستهلاك، بما يضمن تقليص كلفة النقل وتعزيز القدرة على الاستجابة السريعة للطلب. ضمن هذا المنطق، تحولت جهة مراكش – آسفي إلى مجال جذب للاستثمارات الإسمنتية، غير أن تمركز العرض داخل يد فاعل رئيسي يثير مخاوف من تضييق هامش المنافسة.

تحذير رسمي من مخاطر التركّز

في رأيه حول السير التنافسي لسوق مواد البناء، نبّه مجلس المنافسة إلى أن البنية الحالية للسوق الوطنية تتسم بدرجة عالية من التركيز، حيث يستحوذ ثلاثة فاعلين كبار، هم “Ciments du Maroc” و”LafargeHolcim Maroc” و”Ciments de l’Atlas”، على ما بين 80 و90 في المائة من سوق الإسمنت الموجه لأوراش البناء.

واعتبر المجلس أن هذا الطابع المركز لا يقتصر على المغرب فحسب، بل يشمل عدداً من الدول، بالنظر إلى ضخامة الاستثمارات التي يتطلبها القطاع وارتباطه الوثيق بمصادر المواد الأولية ومجالات الاستهلاك. ومع ذلك، حذر من أن هذه البنية قد تنطوي على مخاطر تنسيق سلوك الفاعلين، سواء عبر تحديد الأسعار، أو تقليص الكميات المعروضة، أو حتى إبطاء وتيرة الابتكار في المنتجات والتقنيات.

وعلى المستوى الوطني، تواصل جهة الدار البيضاء – سطات تصدرها للمشهد بإنتاج يفوق ثلث الإسمنت المصنع في المملكة، مدعومة بقدرات إنتاجية متمركزة داخل نفوذها الترابي، وبحركية اقتصادية واجتماعية قوية. وتعادل مساهمة هذه الجهة تقريباً الإنتاج التراكمي لجهات فاس – مكناس، ومراكش – آسفي، وطنجة – تطوان – الحسيمة، وبني ملال – خنيفرة مجتمعة، فيما تستحوذ “LafargeHolcim Maroc” وحدها على أكثر من نصف العرض داخلها.

غير أن القراءة الجهوية تكشف مفارقة لافتة: فبينما تتوزع المنافسة نسبياً في بعض الجهات، تميل أسواق أخرى إلى نماذج أقرب للاحتكار الثنائي أو احتكار القلة، مع حضور قوي للفاعلين التاريخيين وصعوبة دخول منافسين جدد.

وتحتل “Ciments du Maroc” المرتبة الثانية وطنياً بقدرة إنتاجية سنوية تصل إلى 6,3 ملايين طن، أي ما يعادل 23,1 في المائة من القدرة الاسمية للمملكة. ويُعد مصنع أيت باها، بطاقة تبلغ 2,2 مليون طن سنوياً، ثاني أكبر مصنع إسمنت في البلاد، ما يمنح الشركة ثقلاً صناعياً يدعم توسعها داخل عدد من الجهات.

في المقابل، تظل “LafargeHolcim Maroc” في موقع الصدارة بقدرة إنتاجية تقارب 13,5 مليون طن سنوياً، مع مصنع بوسكورة الذي يعد الأكبر وطنياً بطاقة تناهز 3,1 ملايين طن. ويعكس هذا التوزيع الصناعي سباقاً صامتاً نحو تعزيز الحصص السوقية في قطاع يشهد طلباً مستقراً مدفوعاً بأوراش البناء والبنية التحتية.

سوق بمليارات الدراهم

بلغ حجم سوق الإسمنت الموجه لأوراش البناء خلال سنة 2024 نحو 9,1 ملايين طن، بقيمة إجمالية وصلت إلى 9,654 مليارات درهم، بينما ساهمت الصناعة بما يقارب 7,065 مليارات درهم في مداخيل الدولة، تشمل الرسوم الجمركية والرسم الخاص المفروض على الإسمنت.

ويظل الإسمنت من نوع CPJ 45 الأكثر طلباً، مستحوذاً على ما يزيد عن 72 في المائة من المبيعات من حيث الكمية والقيمة، خاصة في صيغته المعبأة في الأكياس. كما يهيمن الموزعون على مسالك البيع بحصة تقارب 92 في المائة، مقابل نحو 6 في المائة فقط لشركات البناء والأشغال العمومية، فيما تتقاسم شركات الخرسانة ومنتجات البناء الجاهزة الجزء المتبقي من الطلب.

رغم الطابع شديد التركّز الذي يميز العديد من الأسواق الجهوية، سجل مجلس المنافسة وجود دينامية تنافسية، إذ يسعى الوافدون الجدد إلى تحسين تموقعهم ومواجهة الفاعلين التاريخيين. غير أن واقع السوق يشير إلى أن قواعد اللعبة تُرسم غالباً وفق قدرات استثمارية ضخمة لا تتوفر إلا لدى المجموعات الكبرى.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو جهة مراكش – آسفي نموذجاً لتحولات أعمق يعرفها القطاع، حيث لم يعد الصراع مقتصراً على رفع الإنتاج، بل امتد إلى التحكم في الجغرافيا الاقتصادية نفسها.

تعكس البنية الحالية لسوق الإسمنت مفارقة واضحة: قطاع حيوي يضخ مليارات الدراهم في الاقتصاد الوطني، لكنه يتحرك داخل هامش تنافسي ضيق. وبينما تواصل الشركات الكبرى توسيع نطاق نفوذها، يظل الرهان المطروح هو الحفاظ على توازن يضمن استقرار الأسعار، ويشجع الابتكار، ويمنع تحول الأسواق الجهوية إلى مجالات مغلقة.