في الوليدية.. ملجأ الملك محمد الخامس لاستعادة حريته بعيدا عن أعين الفرنسيين

 في الوليدية.. ملجأ الملك محمد الخامس لاستعادة حريته بعيدا عن أعين الفرنسيين

الجهة24

السلطان الملك محمد الخامس ظل يعاني تحت الحكم الفرنسي الواضع عليه. لكنه على شاطئ بحيرة الوليدية، يقوم ببناء ملاذ سلمي، قريب من السكان وبعيد عن القصور الذهبية التي تُمثل بالنسبة له قيودًا في فاس والرباط والتي كانت في عيون الفرنسيين وسلطة الحماية.

تروي مجلة جون أفريك في مسلسل حلقات “الملك والقصور” أن “قصر سيدنا محمد الخامس” كما يُسميه السكان في الواليدية، أنه ظل ملاذه المفضل بعيدا عن صخب قصور الرباط وفاس، بعدما وجد السلطان صعوبة في التكيف مع الحياة اليومية في قصور فاس والرباط. حيث  يتم انتهاك خصوصيته، وتُراقب أدق تصرفاته، فيشعر بالاحتقار والوحدة، حتى أنه يشعر وكأنه محتجز. على الرغم من أن الفرنسيين يعتبرونه متساهلاً وسهل التأثير عليه، فإن الحقيقة تكمن في العكس تمامًا: فهو شخص ذكي جدًا وماهر، ولديه قناعات قوية، تقول المجلة.

قصر سيدنا

في الواليدية، على شاطئ البحيرة الفيروزية، يبرز مبنى باللون الأحمر الطيني غير عادي مهجور، حيث تضفي عليه أشعة الشمس المتدفقة عند غروب الشمس رونقه السابق وكأنها تعيد له الحياة. يمكن للشخص أن يتخيل ضحكات الأطفال ترتد على ساحات المبنى، وصوت اصطدام أكواب الشاي وهدوء مياه المسبح. على الرغم من أنه يحتوي على أقواس نمطية تعكس العمارة العربية الأندلسية، إلا أن “قصر سيدنا محمد الخامس”، كما يسميه سكان الواليدية، مستند إلى تلة مُغطاة بالأشجار، وظهر في صفحة غلاف مجلة العمارة Architectural Digest (مجلة دولية معروفة تختص بالعمارة والتصميم) .

يتميز بأناقته وتصميمه الحديث وخطوطه البسيطة وافتتاحه نحو الخارج والمحيط الأطلسي. يتميز “بتراس” هائل مزين بمسبح كبير يطل على بحيرة، وتتصاعد الغرف على سلسلة من الفناءات المتعددة، وهناك حوض سباحة ثانٍ مرتفع في الطابق الأول، حيث يوجد الصالون الوحيد والأكبر… إنه عبارة عن قصر في الهواء الطلق، مصمم خصيصًا لفصل الصيف.

منذ وفاة الملك محمد الخامس في 26 فبراير 1961، هذه القطعة من الجنة هي مهجورة وقد تدهورت. ومع ذلك، لا يزال محروسا بعناية من قبل عناصر من القوات المساعدة. الزيارة والتصوير فيه ممنوعان.هذا المكان السري يثير كل أوهام الخيال.

الفرنسيون اعتبروا الملك محمد الخامس سهل التلاعب به

متعبًا من المؤامرات والقيود الاستعمارية، يرغب السلطان في الابتعاد عن المراقبة الفرنسية والاقتراب من واقع المغرب. لذلك، يختار الإقامة في الواليدية، في تلك الفترة كانت الواليدية عبارة عن قرية صيد صغيرة وجميلة، تشتهر بمحارها اللذيذة، وتعداد سكانها يقتصر على مائة نسمة تقريبًا، حيث يقصدها بشكل رئيسي سكان مدينة آسفي وبعض الأوروبيين خلال فصل الصيف. ومنذ ذلك الحين، يقضي هناك عدة أسابيع كل صيف.

السلطان قطع علاقته تمامًا بالقصور التقليدية، التي تحتفظ دائما ما تحتفظ بخصوصيتها ولا تُرى من قِبل الأعين المتطفلة. لكن في والوليدية، يُعتبر قصر هناك مكانًا مفتوحًا للجميع وهو الفضاء الحيوي الرئيسي للعائلة الملكية، حيث يزيّن بالعديد من السجاجيد و مليء بالنباتات. يجتمع السلطان محمد الخامس وأطفاله هناك لتناول الشاي والكعك في ساعة الفطور. في الصباح أو بعد الظهر، ينزل السلطان بكل بساطة إلى الشاطئ بين الصيادين والمصطافين، برفقة بناته وهن يرتدين ملابس السباحة ذات القطعتين.

ويقول المصدر ذاته أن الملك محمد الخامس كان  يشعر بالاستياء من الحياة المحاصرة والمنعزلة، ويعمل جاهدًا لكي يجعل أطفاله يلتقون بأصدقاء مرتبطين بالواقع والحياة الحقيقية.

في قصر الواليدية العامة مُسموح لهم بالتجول أمام “القصر”، شريطة أن يكونوا بزي ملابس السباحة، وإلا فإن الحراس سيفحصون هوياتهم. بالنسبة للكثيرين، يُظهر هذا السلوك الطبيعي “التقدم الملحوظ” للسلطان، الذي لا يهوى البروتوكول ويُجذبه الاختفاء، على الرغم من تربيته في تقاليد المخزن النقية (والصارمة في كثير من الأحيان). طبيبه الشخصي يحكي أنه يُجيب حتى على نداء الأشخاص العابرين على الطريق ويبدأ محادثات معهم أثناء قيادته لسيارته، ويستفيد من هذه المحادثة.

محمد الخامس يعتني بأبنائه في الواليدية

وفي التفاصيل، كان الملك محمد الخامس، حريص على أن يُقدم لأطفاله تعليمًا ممتازًا، أكثر حداثة وتطويرًا مما حصل عليه، يُربيهم بنفسه ويشكّل معهم عائلة واحدة متماسكة. يُزعجه العيش في بيئة مغلقة، لذلك يُسعى لجعل أبناءه يلتقون بأطفال يعيشون في الحياة الحقيقية. في الوليدية، يحدث ذلك بشكل متكرر، حيث يُدعى الأطفال الذين يقضون عطلتهم مع أهلهم للعب في “القصر”.

إلان لطيف.. الطفل إبن آسفي الذي كسب قلب الملك

تقول المجلة أنه عند عودة محمد الخامس من المنفى،تعرف لطيف إلان، الذي ينحدر من آسفي على أبناء الملك محمد الخامس، في الوقت الذي كان فيه الدي الطفل إلان يحبون التخييم بالقرب من البحيرة في الواليدية أمام فندق “hippocampe”، الذي يقع بجوار إقامة الملك. بعد ذلك، جاء أفراد الحراسة الملكية لاستدعائه لقضاء بعض الوقت مع الأمراء الصغار. شعرت والدته بالخوف من أن يبقى هناك ويعيش في القصر، فانهمرت دموعها، لكن الحراس وعدوها بأنهم سيعيدونه لها.

بعد بضع سنوات، اشترى لطيف إيلان – الطفل الذي كان يرافق الأمراء للعب معهم في الواليدية-  فندق “hippocampe” ونظم العديد من الحفلات الراقصة فيه. كان الأمير مولاي الحسن (الحسن الثاني) يزور الفندق بانتظام.

ذكريات سيئة للأمير

بعد وفاة محمد الخامس بشكل مفاجئ بعد عملية بسيطة، يبدأ القصر في الواليدية في التدهور بشكل تدريجي. يُشاع أن الأمير الوريث الحسن الثاني لم يكن قادراً على العودة إلى هذا المكان بسبب ذكريات والده بالغة القوة هناك، وقيل أنه احتفظ بذكريات سيئة أيضًا. بسبب دوره كأمير ولي العهد، كان محمد الخامس قاسياً ومُتطلباً عليه، وكان يُلومه علانية، خاصة في الوليدية.

في الثمانينيات، بدأ الأطفال يلعبون لعبة الاختباء والبحث هناك. أثناء التسعينات، تحولت الوليدية إلى منتجع بحري حقيقي وازدهرت السياحة المحلية والأجنبية هناك، وأثار ذلك دهشة لترك هذا الجوهر المعماري، الذي أصبح مكانًا للتجول، في حالة الإهمال. والسياح يُعبِّرون عن استغرابهم لترك هذا الجوهر المعماري في حالة الإهمال.

في أوائل الألفية الجديدة، بعد وفاة حسن الثاني، تم تداول شائعة خاطئة بأن الملك محمد السادس “باع المكان لأمريكيين”. في عام 2008، أُغلِقَ القصر أمام الجمهور، وتم سد مداخله وتكوين طوقٍ حوله يتم حراسته على مدار الساعة بواسطة جنود أو رجال شرطة، مما اضفى طابع الغموض على هذا القصر.

هيئة التحرير

أخبار ذات صلة

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة الجهة24 لتصلك آخر الأخبار يوميا