الجهة 24- آسفي

في وقت تكشف فيه المعطيات المهنية عن تراجع مقلق لمؤشرات القطاع السياحي بإقليم آسفي، بعد تسجيل انخفاض يقارب 6 في المائة في عدد ليالي المبيت خلال سنة 2025 مقارنة بالسنة السابقة، يعود النقاش حول موقع المدينة داخل الخريطة السياحية الجهوية. هذا التراجع، الذي يصفه مهنيون بـ”الإنذار المبكر”، يعيد طرح سؤال التوازن الترابي، خاصة في جهة تراهن على السياحة كرافعة أساسية للتنمية الاقتصادية.

ويضع هذا الواقع المجلس الجهوي للسياحة بمراكش-آسفي في قلب الجدل، باعتباره هيئة يفترض أن تمثل مختلف أقاليم الجهة وتدافع عن جاذبيتها بشكل متكافئ. غير أن قراءات متقاطعة ترى أن الاستراتيجية المعتمدة تميل إلى تعزيز إشعاع مراكش كقاطرة سياحية، مقابل حضور خافت لمدن أخرى، ما يطرح إشكالية العدالة المجالية، خصوصا وأن المجلس يستفيد من دعم عمومي وشراكات مؤسساتية تخول له لعب دور محوري في الترويج الترابي.

ويستند هذا النقاش إلى تقرير صادر عن المجلس الجهوي للسياحة نفسه، كشف أن آسفي سجلت 28.936 ليلة مبيت مقابل 19.227 وافدا، مع معدل إشغال لم يتجاوز 29 في المائة، إلى جانب تراجع بلغ 6 في المائة مقارنة بسنة 2024، وهي أرقام تعكس محدودية الجاذبية السياحية للمدينة رغم مؤهلاتها الطبيعية والتاريخية. 

في المقابل، واصلت الصويرة تحقيق نتائج إيجابية، بعدما سجلت 1.044.000 ليلة مبيت و820 ألف وافد مع معدل إشغال بلغ 57 في المائة، ما يعزز تموقعها كأحد الأقطاب السياحية الصاعدة داخل الجهة. 

مؤشرات تظهر انهيار اسفي سياحيا في عدد الوافدين

ولا يقف التفاوت عند مؤشرات الإيواء، بل يمتد إلى التحول الرقمي للقطاع؛ إذ تشير بيانات توزيع المستفيدين من برامج الرقمنة إلى استفادة نحو 92 مقاولة سياحية بالصويرة، مقابل 18 فقط بآسفي، وهو فارق يراه مهنيون دليلا إضافيا على فجوة في مواكبة النسيج السياحي المحلي. 

وتظهر الوثائق الاستراتيجية للمجلس أن مراكش تُقدم باعتبارها “الوجهة الحاملة للواء” داخل الجهة، بينما تُصنف مدن أخرى ضمن خانة الوجهات الناشئة، وهو توجه يراه متتبعون مفهوما من زاوية العائد الاقتصادي، لكنه قد يتحول إلى عامل يكرس اختلال التوازن إذا لم يواكبه استثمار موازٍ في باقي الأقاليم. 

ويحذر فاعلون من أن استمرار هذا النموذج قد يدفع بعض المدن إلى هامش الدورة السياحية، بدل إدماجها في دينامية النمو، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها الطلب العالمي نحو الوجهات الساحلية والتجارب المحلية الأصيلة، وهي عناصر تتوفر آسفي على جزء مهم منها.

وفي ردّه على الانتقادات المتصاعدة، اكتفى حميد بنطاهر، رئيس المجلس الجهوي للسياحة بمراكش-آسفي في تصريح لموقع “الجهة24″، بالتأكيد على أن المجلس “لا يمكن تحميله ما لا طاقة له به”، مبرزا أن تدخلاته تظل محكومة بإكراهات مؤسساتية وبمدى انخراط السلطات الترابية والمنتخبين. وأوضح أن المجلس وضع برامج ترويجية تهم مختلف أقاليم الجهة، وأنه يظل منفتحا على كل المبادرات المحلية القابلة للتنفيذ، دون أن يقدم توضيحات مباشرة بشأن تراجع المؤشرات السياحية الخاصة بمدينة آسفي أو ضعف حضورها في الحملات الترويجية الكبرى.

عضو بالمجلس الإقليمي: هددنا بالانسحاب بسبب تهميش آسفي

في المقابل، كشف أحد أعضاء المجلس الإقليمي للسياحة بآسفي، في تصريح للموقع، أن عددا من الفاعلين المحليين عبّروا صراحة عن استيائهم من طريقة اشتغال المجلس الجهوي، ملوّحين بالانسحاب منه بسبب ما وصفه بـ”التهميش الممنهج” الذي تتعرض له مدينة آسفي.

وقال المتحدث إن “آسفي لا تُمنح مكانتها الأساسية داخل الاستراتيجية الجهوية، رغم كونها مدينة ساحلية ذات مؤهلات كبيرة”، معتبرا أن ما يجري “ليس مجرد تقصير ظرفي، بل خيارا بنيويا يقوم على الدفع بمراكش كواجهة وحيدة، مقابل تهميش باقي الأقاليم”.

وأضاف أن هذا التوجه يتجلى بوضوح حتى في أدوات التواصل الرسمية، مشيرا إلى أن الموقع الرسمي للمجلس الجهوي يحمل اسم Visite Marrakech، ويُقدَّم كمظلة وحيدة للترويج، بينما تُختزل باقي مدن وأقاليم الجهة، ومنها آسفي، في عناوين فرعية ثانوية، لا تعكس وزنها الترابي ولا مؤهلاتها السياحية.

واعتبر عضو المجلس الإقليمي أن هذا الاختيار الرمزي “ليس بريئا”، بل يعكس، في نظره، رؤية ترويجية تكرّس مركزية مراكش وتعيد إنتاج اختلالات العدالة المجالية، حتى على مستوى الخطاب والهوية البصرية للوجهة الجهوية.

غير أن هذا الدفاع لم يتضمن، بحسب متابعين، تفسيرا مباشرا لمؤشرات التراجع المسجلة بآسفي أو لضعف حضورها في الحملات الترويجية الكبرى، حيث اكتفى رئيس المجلس بالتأكيد على محدودية اختصاصات المؤسسة وضرورة انخراط الفاعلين الترابيين في تطوير العرض السياحي.

ورغم أن سنة 2025 وُصفت جهويا بأنها “سنة قياسية” من حيث النشاط السياحي وتجاوزت أرقام السنة المرجعية، فإن التباين بين الأقاليم يظل لافتا، ما يعيد إلى الواجهة نقاش الحكامة السياحية وكيفية توزيع الاستثمارات والجهود الترويجية. 

ويرى مهنيون أن الرهان لم يعد يقتصر على تحقيق أرقام إجمالية مرتفعة، بل بات مرتبطا بقدرة المنظومة السياحية على خلق نمو متوازن يضمن استفادة مختلف المجالات الترابية.

وتمتلك آسفي، وفق خبراء، مقومات قادرة على إحداث تحول في موقعها السياحي، من شريطها الأطلسي إلى رصيدها الثقافي والصناعي، غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى منتوج تنافسي يظل رهين رؤية مندمجة تجمع بين الترويج، وتحفيز الاستثمار، وتأهيل البنيات.